منتديات بدو ليبيا
عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة يرجي التكرم بتسجبل الدخول اذا كنت عضو معنا
او التسجيل ان لم تكن عضو وترغب في الانضمام الي اسرة المنتدي
يشرفنا تسجيلك معنا
شكرا
ادارة
المنتدي



 
الرئيسيةالتسجيلدخول
المواضيع الأخيرة
» # دورة أساسيات التسويق والبيع التأميني (تسويق خدمات التأمين)Amal@itcegy.com
الأربعاء مارس 15, 2017 3:39 pm من طرف امل باشا

» #دورة ادارة ومحاسبة التأمين الصحي بجميع انحاء العالم 2017#2018
الأربعاء مارس 15, 2017 3:19 pm من طرف امل باشا

» #دورة الإدارة اليابانية وتطبيقاتها دبى# ماليزيا # المغرب#تركيا يا –وغيرها –روما –مدريد#نيويورك#نيوجيرسى# عمان# سنغافورة#دمشق# تونس#سنغافورة#دبي#مصر#عمان#قطر#
الأربعاء مارس 15, 2017 3:15 pm من طرف امل باشا

» #المركز الدولى للتدريب والاستشارات amal@itcegy.com #دورة#ندوة#ورشة عمل #مؤتمر# جميع التخصصات 2017/2018
الأربعاء مارس 15, 2017 3:14 pm من طرف امل باشا

» #دورة التأمــــــــين ( عـــــــــام ) فيينا# فرنسا# واشنطن# ل
الأربعاء مارس 15, 2017 3:13 pm من طرف امل باشا

» # دورة أساسيات التسويق والبيع التأميني (تسويق خدمات التأمين)Amal@itcegy.com
الأربعاء مارس 15, 2017 3:11 pm من طرف امل باشا

» #دورة شروط التحكيم وتسوية منازعات التأمين فيينا# فرنسا# واشنطن# ل
الأربعاء مارس 15, 2017 3:09 pm من طرف امل باشا

» # دورة أساسيات التسويق والبيع التأميني (تسويق خدمات التأمين)Amal@itcegy.com
الأربعاء مارس 15, 2017 3:07 pm من طرف امل باشا

» فيلرات تعبئه السوائل 19 لتر ( القاضى )
الأربعاء نوفمبر 16, 2016 2:26 pm من طرف قاضيكو

» فيلرات تعبئه السوائل و الكريمات ( القاضى )
الأربعاء نوفمبر 16, 2016 2:26 pm من طرف قاضيكو

» الجديد جديد والقديم قديم ومن الاخير
السبت أكتوبر 22, 2016 10:43 pm من طرف الجارح

» افضل مركز تدريب فى الهندسة الكهربائية والالكترونية 2017 الرياض #الدمام#جدة#دبي#الاردن#القاهرة #تركيا#ماليزيا #لندن #سنغافورة
الجمعة أكتوبر 14, 2016 6:23 pm من طرف امل باشا

» المركز الدولى للتدريب والاستشارات دورات 2017 خصم يصل الى 40%
الجمعة أكتوبر 14, 2016 6:19 pm من طرف امل باشا

» د أدوات القياسات الكهربائية المحولات الكهربائية: صيانتها واختبارها
الجمعة أكتوبر 14, 2016 6:11 pm من طرف امل باشا

» دورة مهارات المحاسبة لغير المحاسبين 11 ديسمبر 2016 بالقاهرة (خصم 50% ) دورات محاسبة مالية وتدقيق ومراجعه ومحاسبة تكاليف وموازنات ومحاسبة حكومية
الجمعة أكتوبر 14, 2016 4:46 pm من طرف امل باشا

» دورات فى الهندسة الكهربائية والالكترونية #ودورات تدريبية اخري فى جميع التخصصات # الرياض #الدمام#جدة#الاردن#مصر#ماليزيا#دبي#ابوظبي
الجمعة أكتوبر 14, 2016 4:27 pm من طرف امل باشا

» دورة تركيب عدادات الطاقة,صيانتها,معايرتها وكشف الأعطال فيها # الرياض#الدمام#جدة#مصر#الاردن#دبي
الأربعاء أكتوبر 12, 2016 7:28 pm من طرف امل باشا

» دورة شاملة في الرسومات الكهربائية وأنظمة التحكم الصيانة التنبؤية والوقائية المنهجية
الأربعاء أكتوبر 12, 2016 7:22 pm من طرف امل باشا

» اقوي دورات الهندسة الكهربائية لعام 2017 الرياض الدمام جدة الاردن دبي ماليزيا المغرب تونس لندن فيينا روما
الأربعاء أكتوبر 12, 2016 7:20 pm من طرف امل باشا

» المكتب التنفيذى مجلس وزراء العمل ومجلس وزراء الشئون الاجتماعية-بدول مجلس التعاون لدول الخليج يعقد المؤتمر العربي السابع (تكنولوجيا الموارد البشرية. انفرادية الرؤية)
الأحد أكتوبر 02, 2016 7:33 pm من طرف محمد أحمد سويلم


شاطر | 
 

 مـُخْـتَـصَر (الفَوَائِدُ الجَلِيّةُ في تَاريخ العَائلة السَنُوسِيَّة) الجزء الثاني

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
عبدالرحمن الحجازي الحسني
.
.


ذكر عدد الرسائل : 9
العمر : 51
العمل/الترفيه : موظف
المزاج : طبيعي
رقم العضويه : 1
نقاط : 16957
تاريخ التسجيل : 29/12/2012

مُساهمةموضوع: مـُخْـتَـصَر (الفَوَائِدُ الجَلِيّةُ في تَاريخ العَائلة السَنُوسِيَّة) الجزء الثاني   السبت ديسمبر 29, 2012 8:06 am

( الزواية السنوسية تنطلق من الحجاز إلى ليبيا )

( تأسيس زاوية جبل أبي قبيس و بقية زواية الحجاز)

بعد أن شرع الإمام محمد بن علي السنوسي في تأسيس زاوية أبي قبيس بمكة و أتمها، تصدر فيها للإفادة والنفع العام فافتتح دروساً في شتى العلوم .. وبذلك أضحت زاوية أبي قبيس كعبة طلاب العلم الشرعي ورواده، ووفد إليه طُلاب العلم من مختلف البلدان الإسلامية .. وكانت دروسه مقسمة للمبتدئين وحفاظ القرآن، و قسمٌ لمن درجوا وقطعوا مراحل في طلب العلم الشرعي، ولذا فقد كان الإمام السنوسي رحمة شاملة لأصناف طبقات الأمة ... كما كانت له دروس عامة في الوعظ والإرشاد إلى عبادة رب العالمين بالطريقة السليمة المستقيمة بلا شائبة زيغ أو إلحاد أو حظ نفسي. بل لقد سلك طريق جده المصطفى – صلى الله عليه وسلم – والتي كان عليها هو وأصحابه – رضوان الله عليهم أجمعين – وكان الإمام السنوسي يُحذر وينهى أشد النهي عن الشعوذة والضلالات .. وكان كذلك يَحُضُ أتباعه على العمل والكسب بعرق الجبين، ويحذرهم من الركون للراحة والبطالة والتطلع إلى ما في أيدي الناس " وهذه التوجيهات كانت تمثل أقوى دعائم نجاح عمل وآليات الحركة السنوسية وتميز أفرادها (لإخوان السنوسيين) إذ كانت كل زاوية بمثابة خلية نحلٍ الكل يعمل بنشاط دؤوب لا كلل فيه .. فبعد طلب العلم الشرعي هناك تعلم الحرفة لطلب الرزق أو الإتجار للإستغناء عن الخلق .. ومن هنا كانت حيوية الدعوة السنوسية تؤهلها لتكون حركة إسلامية تدفع نحو أفق الدولة لا محالة".

(تأسيس الزاوية السنوسية بالطائف)

كان الإمام السنوسي في هذه الأثناء يتردد بين الحرمين الشريفين وبين الفينة والأخرى يزور مدينة (الطائف) حيث كانت إقامته الصيفية بها، وهناك أسس زاويته ما بين عام 1254 – 1254 هجري – 1837 – 1838 – ميلادي. وكان محل هذه الزاوية حيث ركز فيه سيدنا محمد – صلوات الله عليه – رايته حينما فتح الطائف بعد وقعة حُنين؛ ولقد امتزج أهل الطائف بالإمام السنوسي من خلال هذه الزاوية .. ولقد أخذ عنه العلم من أهلها كثيرون، ومن أبرز طلابه في الطائف الشيخ محمد البكري و أخوه أحمد بن صادق البكري، وكذلك الشيخ (حامد بن محمد غانم خيره) وكان أُمياً ففتح الله عليه ببركة إخلاص نيته وجِده واجتهاده، فتعلم قراءة القرآن والكتابة؛ ولما سافر الإمام السنوسي إلى ( برقة ) بليبيا - حيث كانت سفرته الأخيرة – كان الشيخ حامد نائباً لمسئول الزاوية وهو الشيخ (محمد بن إبراهيم الغماري الكبير) وبعد وفاة الشيخ الغُماري ..أصبح الشيخ حامد هو خليفة الإمام السنوسي بالأصالة . ولقد كان مثالاً للصدق والأمانة والإخلاص والنزاهة." وهذه أيضاً من عوامل نجاح دور الزواية السنوسية (معادن الرجال) وحُسن اختيارهم. (*) ثم بعد وفاة الإمام السنوسي أبقى السيد محمد المهدي السنوسي (الشيخ حامد) مسئولاً على زاوية أبي قبيس حتى عام 1303 هجري – 1886 – ميلادي . حيث توفاه الله بالمدينة المنورة؛ فعين الإمام محمد المهدي السنوسي ابن الشيخ حامد المُسمى – محمد السنوسي – خليفة بدل والده. فقام بهذه الخلافة خير قيام ووسع نطاق الأوقاف العائد للزوايا بمكة وجدة والطائف وكثر في عهده (الإخوان السنوسيون) إذ كان مؤلفاً بينهم و مصلحاً بحق وعفيفاً ورِعاً .. ومما يدل على كمال دينه وورعه ما ذكره في ثنايا وصيته من أنه " لا يملك قليلاً ولا كثيراً وليس له حق في أي شيء يتعلق بالوقف السنوسي وأن كل ما أسسه من مباني أو مزارع وملحقاتها فهو مِلكٌ السيد محمد المهدي وأخيه السيد محمد الشريف السنوسي ووقفٌ عليهم وليس له إلا ثوبٌ يلبسه أو لُقمة يأكلها انتهى. وكان رحمه الله تعالى يُكثر التردد على واحة (الجغبوب) ثم في سنة 1320 هجري – 1902 – ميلادي. توجه من الحجاز قاصداً - بلدة (الكُفرة) الواقعة جنوب برقة – لغرض زيارة السادة السنوسية .. فعاجله القضاء والقدر وتوفاه الله بها.. فعظم مصابه على السادة السنوسية والإخوان السنوسيين.

(الأمير عبد القادر الجزائري في ضيافة الإمام السنوسي)

في عام 1242 هجري – 1827 – ميلادي. قدم إلى الحج بطل الجزائر الأمير عبد القادر في صُحبة والده السيد (محي الدين بن عبد القادر الحسيني) وهم من آيالة وهران التابعة للجزائر. كان عمر الأمير عبد القادر حينذاك تسعة عشر عاماً حيث كانت ولادته عام 1223 هجري – 1808 ميلادي. وكان بين الفقيه (محي الدين الحسيني) والسيد (محمد بن علي السنوسي) معرفة سابقة بالجزائر .. فقام والد الأمير عبد القادر بزيارة الإمام السنوسي في زاويته بجبل أبي قبيس ومعه ابنه عبد القادر..فأكرمهما الإمام السنوسي وقدم لهم وجبة من (الكسكسي) وجلس معهم على المائدة غير أنه لم يأكل لمرض ألّمّ به ، فوجه نظره إلى الأمير عبد القادر وصار يعقد أصابعه و يعد اللقم التي يأكلها فأكل الأمير أربع عشرة لُقمة ثم رفع يده عن الطعام فقال له الإمام السنوسي: زد فقال لا أستطيع فكرر له القول وهو يعتذر و يقول لا أستطيع، فقال له الإمام : يا ودِّي زيد... يزيدوك - أي يا ولدي زد زادك الله - فقال: لا أستطيع. فرد عليه الإمام السنوسي قائلاً : هذا الذي كتبه الله . ولكن الأمير لم يفطن لهذه الإشارة ولم يلقِ لها بالاً كما لم يعرف المعنى !! هذا وقد كانت الإشارة من الإمام السنوسي للمدة التي سيحكمها الأمير، وهذا من قبيل الإلهام والكشف الذي يمن الله به على من يشاء من عباده. ولما فرغ الأمير عبد القادر وأبوه من أعمال الحج وأتما الفريضة عام 1243 هجري – 1828 ميلادي. وعزما على العودة إلى الجزائر.. قام الإمام (محمد بن علي السنوسي) يودعهما وقال مُخاطباً الفقيه (محي الدين عبد القادر الحسيني): إن الدين الإسلامي يُحتم على كل مسلمٍ بأن يُدافع عنه بقدر استطاعته ويُحرِّم على المسلمين الاستسلام للعدو الغاصب المعتدي والمنتهك لحرمات الدين والإسلام والمُعطِل لأحكام الله؛ وإني أستوصيك بولدنا عبد القادر هذا خيراً فإنه ممن سيدافع عن حرمات الإسلام ويرفع راية الجهاد .. فكان هذا سبباً في ‘يجاد روح الجهاد والمقاومة فيهما وتفكيرهما في كل ما أوصاهم به السيد السنوسي. وقد صدقت فراسة الإمام السنوسي فلم يمض عام على وصول الأمير عبد القادر وأبيه محي الدين حتى استولى الفرنسيون على مدينة الجزائر العاصمة .. فكانت البيعة للشيخ (محي الدين الحسيني) أولاً ثم بويع للأمير عبد القادر ابن محي الدين الجزائري عام 1248 هجري – 1832 ميلادي. فقام بتنظيم الجيوش وتقدم إلى ساحات الوغى حيث أحرز انتصارات باهرة خاصة في مدينتي وهران ومستغانم ولذلك اضطرت فرنسا إلى عقد عدة اتفاقيات للهدنة .. ثم ما لبثت الحرب أن اشتعل أوارها من جديد .. ولم تستطع فرنسا أن تكسر شوكة الأمير عبد القادر الجزائري إلا بالدسائس وتحريض سلطان المغرب وتهديده.. فأرسل جيشاً قوامه خمسون ألف محارب ، فوقعت ما بين الفريقين حروب طاحنة ضاع فيها مع الأسف خلق كثير من الجانبين الجزائري و المغربي!!! مما اضطر الأمير للتفاهم مع فرنسا على إنهاء حالة الحرب بينهما. وبذلك تمت مقاومة الجهاد التي دامت سبع عشرة سنة كان اللواء لوالده الفقيه (محي الدين) لفترة سنتين ونصف، وبعدها كان اللواء بيد المجاهد البطل الأمير (عبد القادر الجزائري) لفترة أربعة عشر عاماً ونصف حيث تم بعدها التسليم سنة 1261 هجري – 1845 ميلادي.. ولله الأمر من قبل ومن بعد. وكان من بنود المعاهدة أن ينتقل الأمير عبد القادر الجزائري بكامل عائلته إلى مدينة (طولون) بفرنسا. وبعد إقامته بها خمس سنوات سمحت له الحكومة الفرنسية بالسفر إلى استانبول ومنها إلى (بروسه) بتركيا فأقام بها مدة سنتين .. ثم توجه إلى دمشق الشام سوريا حيث أقام بها بقية حياته حتى وافته المنية سنة 1299 هجري – 1883 ميلادي. بعد أن عاش من العمر خمسة وسبعين عاماً... عليه رحمة الرحمن وجزاه الله على جهاده خيراً وأسكنه أعالي الجنان آمين.



(التعريف بحقيقة الزوايا السنوسية)

السنوسية علم وعمل... دعوة وتربية و جهاد

في الحقيقة أن الزوايا حسبما هو معروف في لغة العرب (هي ملتقى كل رُكنين) وزاوية كل شيء تعني رُكنه وجمعه زوايا وزوايا كل شيء أركانه ، مثلما أُحدثت الملاجئ في العهدين الأُموي والعباسي وأصبحت معروفة ومبذولة بكثرة، ولقد أوجدوا بداخل هذه الملاجئ أماكن للغرباء والفقراء والمنقطعين .. وخصصوا لهم معلمين يعلمونهم القرآن وشيئاً من العلوم بصفة مشجعة لطلب العلم .. واشترط أصحاب هذه الملاجئ أنَّ الساكن بها لا بُد وأن يكون من طلبة العلم .. ومع الوقت تغيرت أسماء الملاجئ إلى مدارس وأصبحوا يطلقون عليها مدارس. ولا تزال بعض هذه الأماكن معروفة بهذا الاسم إلى تاريخه في عموم بلدان المسلمين وأغلبها في دمشق ومصر ومكة والمدينة .. ثم تطورت هذه المدارس وكثُر بها الطلبة وسُميت بأسماء الشخصيات الكبيرة التي أسستها، وهذه الشخصيات لها شأنها العظيم من العلم والصلاح والزهد.. كما أصبح لأتباع هذه الشخصيات زيُ مخصوص في أوقات مخصوصة بكيفية مخصوصة، وعُرِفوا بالسادة الصوفية جمع صوفي والصوفي معناه حسب الإصطلاح (هو ذاك الرجل العابد الزاهد في الدنيا وشهواتها والمنقطع لعبادة الله والمشتغل بما يقربه لربه ويبعده عمَّا لا يرضاه و يسعد به في الآخرة). وطبعاً حسب رسوخ هؤلاء السادة في العلم الشرعي وصلاحهم ومكانتهم أصبح لهم أتباعٌ يُعرفون باسم الشخصية التي اختاروها واتبعوها. وكما هو معلوم أن المذاهب الفقهية عند المسلمين محدودة والمعتمدة المتفق عليها أربعة (الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي) لذلك لم يستطع الأتباع أن يتسموا باسم المذهب الفقهي .. فاصطلحوا على اسم جديد وهو الطريق (أي طريق فلان) ومعناه "طريقة سلوكه في عبادته وزهده وتعليمه وإرشاده" وأصبح معلوماً لدى عموم المسلمين أن أتباع أي شخص هم أهل طريقته .. ثم اصطلحوا على تسمية المدرسة التي يجتمعون بها ويتعلمون فيها العلم الشرعي ويقيمون فيها أذكارهم وأورادهم (بالزاوية) وعادة تكون الزاوية هي مقر صاحب الطريقة ومقر من يقوم مقامه .. ومع الوقت تطورت هذه الزوايا حتى أصبحت أماكن معروفة للضعفاء والعجزة والمنقطعين والمتطلعين إلى حسنة المحسنين باسم الدين ويغلب عليهم الجمود والكسل.. وربما يظنون أن هذا مما يوجبه الدين لإسلامي !!! وطبعاً لا يقول بهذا إلا الجهلة والراكنون إلى الكسل والبطالة.

(حقيقة الطريقة السنوسية وأصولها)

أما حقيقة الطريقة السنوسية عند السادة السنوسية فهي كما قال مؤسس الطريقة السيد الإمام محمد بن علي السنوسي حيث قال : طرقتنا الكتاب والسنة أي القرآن والحديث وهي مبنية على ثلاثة أصول.

1 – تعلم العلم و تعليمه.
2 – إرشاد العباد لرب العباد ودعوتهم إليه.
3 – الجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمته

وكان الإمام السنوسي يأمر أصحابه ومريديه و متبعيه بالجد والإجتهاد والمثابرة على العمل وترك التكاسل والكسل .. وكان يقول لهم : الكيمياء في سكة المحراث .. ويقول أيضا: الإسلام قولٌ وعملٌ .. والمؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف، وكان يأمر أصحابه ويحتم عليهم بعد تلقيهم العلم الضروري أن يتعلموا أنواع المهن والحِرَف وكيفية الإشتغال بها .. فكان بين أتباعه العلماء الفطاحل والبناؤن الحاذقون والنجارون والخياطون والخرازون والحدادون والمزارعون .. وكان من بينهم أيضاً من يُحسن عمل البارود وأنواع الأسلحة وكيفية إصلاحها .. وفيهم من يجيد عمل السيوف وأنواع آلات السلاح الأبيض .. وبإختصار كانت الزاوية السنوسية بالمعنى الصحيح في كل مكان عبارة عن (وحدة كاملة صغيرة) تحتوي على عموم المستلزمات لحياة الإنسان في دنياه ودينه .. ولذلك عندما قامت الحرب بين السنوسيين والفرنسيين في السودان "قرو – تشاد" وأخيراً مع الطليان في ليبيا .. وجدت الدولتان (فرنسا وإيطاليا) أهل ليبيا على عمومهم جنوداً مجندة مُسلحة بكل ما يلزم وهم يحسنون استعمال أنواع الأسلحة والآلات الحربية ..كما أنهم يتقنون ركوب الخيل ويعرفون فنون المهن الضرورية لهم .. وبذلك استطاعوا المقاومة والصمود أمام عدوهم القوي والمدجج بكافة أنواع السلاح حتى "سلاح الطيران الذي أستخدم لأول مرة في التاريخ" ومع ذلك صمدوا لمدة أثنين وعشرين عاماً مع قلة عددهم وعتادهم أمام قوات الأعداء المؤلفة والمزودة بأحدث آلات الحرب المدمرة من طيارات ودبابات ومدافع ورشاشات ...

ومن هنا يتضح للقارئ الكريم أن (الشخص السنوسي) معناه هو "ذلك الأخ المتعلم والعامل بعلمه ... الداعية الحركي المحترف والمجاهد في سبيل الله. وفي حقيقة الأمر إن السنوسيين لم يأتوا بجديد في دين الإسلام، كما أنهم لم يخرجوا عن كونهم إخوان مسلمين يعملون بأوامر دينهم الحنيف ويطبقونها فعلياً: فهم للصلاة المفروضة مقيمون في أوقاتها وللزكاة هم مؤدون للسائل والمحروم وللعلم هم به آخذون وبه يعملون وهم يعدون العُدة لدفع العدو الصائل المعتدي الغشيم (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل) ويأكلون من عرق الجبين وما كسبت أيديهم (فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه) ويذكرون الله صباح مساء (والذاكرين الله كثيراً والذاكرات) وذكرهم تلاوة القرآن وحفظه عن ظهر قلب والعمل بأوامره وإجتناب نواهيه. هذه حقيقة الفرد السنوسي وحقيقة الزاوية السنوسية أينما وُجِدَت.

(استجابة الإمام السنوسي لداعي الجهاد في الجزائر)

بعد تأسيسه لزاوية الطائف .. تاق الإمام (محمد بن علي السنوسي) للمساهمة في دفع "الصائل الغاشم الفرنسي" عن أرض الجزائر الإسلامية مدفوعاً بالغيرة الإسلامية والحمية الدينية .. فعقد النية لخوض غمار الجهاد المقدس .. فأحضر الإخوان (السنوسيون) وأخبرهم بعزمه قائلاً لهم: من رغب مرافقتنا فليجهز نفسه، ومن أراد جوار الحرمين فله الإذن ولا حرج عليه .. وهذه زاويتنا وبها خليفتنا (الشيخ عبد الله التواتي) - وهو أول شيخ تولى مسئولية زاوية أبي قبيس من بعد المؤسس ابن السنوسي .. ثم توجه الأستاذ السنوسي وبصحبته عدد كبير من (الإخوان السنوسيون) وذلك آخر عام 1255 هجري - مارس 1840 ميلادي. حسبما هو مدونٌ في مذكرات مرافقه الشيخ (محمد صادق البكري) والذي تولى فيما بعد مسؤولية زوايا الجريد بتونس . فتوجه الإمام السنوسي من مكة إلى المدينة المنورة ثم إلى القاهرة و كان قد ذاع صيته في كافة الأمصار الإسلامية، فلما حل بالقاهرة ونول بالجامع الأزهر .. وفد إليه الوفود من طلبة العلم الشرعي من مختلف طبقات الأمة .. وطلب منه بعض شيوخ الأزهر إسماعهم بعضاً من دُررِِ علومه النافعة، فعقد لهم عدة محاضرات ومجالس للعلم.. وفي أثناء إحدى دروسه وقف أحد كبار شيوخ الجامع الأزهر وقال مخاطباً العلماء: أنصتوا أيها العلماء .. فقد حل بين أظهركم إمام الأمة المحمدية ونبراس الشريعة المُطهرة وشمس المعارف الإلهية ألا وهو الشيخ (محمد بن علي السنوسي) - وهذا القول مثبت حرفياً في مخطوط الرحالة التونسي (محمد بن عثمان الحشائشي) والمحفوظ بدار الكتب المصرية - هذا ولقد حاز الإمام السنوسي رضا الجميع عدا شخص واحد وهو الشيخ (عُليش المالكي) والذي رأى في شخص السنوسي منافساً له ونجماً سطع نوره .. فوقعت الغيرة في قلبه !! وأثناء تواجد الإمام السنوسي بالقاهرة كانت صحته معتلة وكان لا يأكل شيئاً سوى شراب من الحليب صباحاً ومساءً فقط .. وكان الذي يقوم على خدمته أحد تلامذته - وهو طالب علم تركي - كان يقدم له كأس الحليب .. فأغواه الشيطان من الإنس أو الجن فوضع له السُمَ في الحليب !!! فما أن شرب الكأس حتى سقطت جميع أسنانه .. واشتد به ألم السُم حتى تدهورت صحته وأشرف على الهلاك. وأخيراً منَّ الله عليه بالشفاء بعد الإسعاف والعلاج إلا أن تداعيات المرض قد أصابته بأوجاع مزمنة في العظام وطفح جلدي كان يظهر عليه سنوياٌ بعد هذه الجريمة.. ثُم أرسل الإمام السنوسي في طلب الشيخ (عبد الله التواتي) من مكة، وعزم على السفر إلى الجزائر .. فاتخذ طريق الصحراء ماراً بواحة (سيوة) ثم واحة (جالو) و قد كان الشيخ (عمر بو حوا الأوجلي) في صحبة ابن السنوسي .. ثم انتقلوا إلى واحة (أوجلة) لزيارة صاحب رسول الله ( عبد الله بن سعد بن أبي السرح) وقد تعرف أهل أوجلة على الإمام السنوسي من قبل حيث مر بهم عام 1238 هجري - 1823 - ميلادي. ففرحوا بمقدمه فرحاً لا يكاد يوصف خاصة أن أوجلة هي بلدة الشيخ (عمر بو حوا) وبعد أسبوع توجه إلى برقة فنزل على نجع عائلة (اللواطي) من قبيلة العواقير فأكرموا نُزله ثم رافقوه إلى منتجع قبيلة المغاربة حيث شيخ قبيلتها (علي لطيوش) والذي تشرف بمعرفة السيد السنوسي من قبل وذلك خلال سفره الأول قاصداً مصر والحجاز. وبعد كرم الضيافة الحاتمي .. رافق الشيخ (علي لطيوش) الإمام السنوسي إلى منطقة (الهيشة) ما بين (سرت) ومصراتة .. وهناك استقبله (آل المنتصر) ومعهم أعيان مصراته ... ولم يلبث طويلاً بمصراته حيث غذى السير إلى (زليتن) ومنها إلى (طرابلس الغرب) حيث نزل سراً عند تلميذه ومُحبه (أحمد باشا المنتصر) ثم سافر إلى (زواره) ودخل الحدود التونسية - وكانت حكومة فرنسا الملعونة - تتتبع تحركات الإمام السنوسي وتنقلاته بإهتمام بالغ !! حيث أوعزت للحكومة العثمانية أن هذا الرجل مثير وله أتباع وأهداف تضر بمصلحة الحكومة التركية والخلافة !! ولا يُؤمن تحريضه للأهالي وقيامه بالدعوة ضد الحكومة التركية .. ولقد أزعجت هذه التقارير الزائفة حاكم ولاية طرابلس (علي عشقر باشا) كما قامت فرنسا أيضاً بإخطار حاكم تونس وطالبته بضرورة منع الإمام السنوسي من الوصول إلى الجزائر.

لعل هذا الأصل وهو "الجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمته" قد ميز الحركة السنوسية بميزة جعلت الفرنسيس في تشاد في مواجهة المجاهدين برئاسة السيد (ممد المهدي السنوسي) والإنجليز في حدود مصر الغربية في مواجهة المجاهدين تحت راية القائد (أحمد الشريف السنوسي) ثم الطليان الذين ذاقوا الأمرين في حروبهم المتتابعة لإحتلال الوطن الليبي.. حيث امتد جهاد الليبيين من سنة 1911 ميلادي - حتى سنة 1932 ميلادي. أي بعد استشهاد المجاهد البطل شيخ الشهداء (عمر المختار) كل هذه المواقف مجتمعة لعلها كانت سبباً رئيساً في اجتماع كلمة الأمريكان و الإنجليز والفرنسيين على التخلص من رمز هذه الحركة والتي أصبحت دولة في شخص ملك ليبيا الراحل (محمد إدريس السنوسي) ومما يؤكد هذا الترجيح موقف بريطانيا من الإنقلاب العسكري سنة 1969 ميلادي . حينما أرسل الملك إدريس مبعوثه الخاص السيد (عمر الشلحي) إلى لندن لتذكير الإنجليز بمعاهدة الدفاع المشترك بين بريطانيا وليبيا .. فجاء الرد سريعاً من لندن " إن هذا شأن داخلي .. ولا يمكن لنا التدخل بأي شكل من الأشكال !! وكذلك كان موقف الأمريكان في أكبر قاعدة لهم في الشرق الأوسط ساعتئذ (قاعدة هويلز) بطرابلس الغرب .. حيث كانت تراقب أحداث 1/9/1969 عن كثب ولم تحرك ساكناً !!
(بلدة زوارة شريان متدفق لروح الجهاد الجزائري)

عند وصول الإمام السنوسي الحدود التونسية أبلغته قوات الحدود بحظر سفره إلى الجزائر وخيرته بين العودة من حيث جاء أو البقاء في الأراضي التونسية، فاضطر للمكوث في (قابس) مدة ثم خرج منها إلى بلدة (مطماطة) ثم عاد إلى مدينة (زواره) ليتمكن من تواجده بها من الوقوف على أخبار المقاومة والجهاد في الجزائر ضد المحتل الغازي الفرنسي .. وقد أخذ يشحذ همم المسلمين ليهبوا لنجدة إخوانهم في الجزائر المحتلة.. داعياً إلى حملات التبرع بالمال والسلاح والعتاد وإرسال جماعات من المجاهدين للقتال تحت لواء الأمير (عبد القادر الجزائري) وكان يترأس تلكم الجماعات عادة الشيخ (عبد الله التواتي) الذي لحق به أثناء بقائه بمدينة (قابس). لقد كان دور الإمام السنوسي عندما منعه الفرنسيون من المشاركة الفعلية بنفسه في الجهاد بالجزائر هو نشر الوعي الديني والتعريف بفريضة الجهاد وتحريض المؤمنين على القتال (فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضْ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنكِيلاً) هذا ولم ينقطع دعم الإمام السنوسي - طيلة مكثه بمدينة (زواره) - لحركة الجهاد المقدس ضد المحتل الفرنسي لأرض الإسلام (الجزائر) واستمر إرساله للإخوان زرافات ووحداناً محملين بالعتاد الحربي والزاد للمجاهدين للذود عن بيضة الإسلام وحِمى المسلمين في أرض الجزائر. ثم عاد الإمام السنوسي إلى مدينة (طرابلس) عام 1257 هجري - 1841 - ميلادي. وعند وصوله تناهت أخباره للحاكم التركي (علي عشقر) والذي شدد على الفور في طلبه وأمر بالقبض على من وَجد من (الإخوان) في بيت (أحمد باشا المنتصر) ثم قال للمنتصر: أنت تعرف السنوسي ولا يخفى عليك أمره ومحله.. ولا بد أن تدلنا عليه لأنه يمثل مصدر إزعاج للحكومة - وطبعاً كان هذا الدس والكيد من فرنسا الملعونة ومن بعض الحُساد أيضاً حيث لا يخلو منهم زمان ولا مكان. فقال المنتصر للباشا: يا سيدي .. إن هذا الرجل هو خلاف ما سمعت عنه، وهو من المخلصين والمحبين للدولة والخلافة، وأنا آتيك به دون عناء . فأمر الباشا بأن يأتي به .. وأختار له خيرة علماء طرابلس لمناظرته ومعرفة حقيقة أمره، وكان من جملتهم العلامة الشيخ (أحمد المقرحي الطرابلسي) أحد القضاة بطرابلس والشيخ (علي القزيري) فلما حضر الإمام السنوسي وبادر الحضور والعلماء بما فتح الله عليه .. انبهروا وعلاهم الخجل؛ وبدل أن يُناظروه انخرطوا في سلكه وبدؤوا يرتشفون من معين مناهل علومه المفيدة وقالوا للباشا : هذا نعمة من الله ساقها إلينا . ففرح الباشا بذلك واجتمع بالإمام السنوسي حيث اعتذر له وقال: هذه بلادك والأهل اهلك.. فانفعهم بقدر استطاعتك ونحن في حاجة شديدة لأمثالك. فأقام الإمام (محمد بن علي السنوسي) في مدينة طرابلس يتردد على مساجدها ويجتمع بالناس يذكرهم ويعلمهم .. فشاع ذِكرُه وعرفه أهل طرابلس وتعلقوا به، وسارت إليه الرُكبان .. ومر في بعض جولاته على حضرة الشريف (أحمد بن فرج الله الفيتوري)(*) في إحدى ضواحي طرابلس ووقف عليه في منزله وزاره في مزرعته المتواضعة .. وكان بن فرج الله كبيراً في سنه مستوراً في حاله عفيفاً في نفسه ذي عيال فقير الحال فقال له ابن السنوسي : يا أخونا أحمد .. لنا بك حاجّة أكيدة و نحب أن تلحقنا بأهلك إذا سمعت بنا وصلنا (بنغازي) فقال له يا سيدي حُباً وكرامةً. ثم غادر مدينة طرابلس إلى (زليتن) حيث مكث بها يلقي الدروس والمواعظ فأخذ عنه العلم أناسٌ كُثُر من الإخوان السنوسيين والذين صاروا فيما بعد رجال الزوايا السنوسية والحركة السنوسية في تلكم المناطق الغربية من ليبيا ... ثم تقدم إلى بلدة (مصراتة) والتي كان قد أقام بها خلال رحلته الأولى وأقام بزاوية (المحاجيب) وبهذه البلدة مقام الشيخ العالم المالكي المشهور (أحمد الزروق).

(السنوسي الكبير يغادر مصراتة إلى سرت وبنغازي)

خرج أعيان مصراتة وبعض أمراء آل المنتصر في صحبة الإمام السنوسي حتى وصل الحدود ما بين برقة وطرابلس .. وفي (سرت) كان في استقباله كوكبة عظيمة من الفرسان هم بعض أعيان وشيوخ ووجهاء قبائل برقة من العواقير والمغاربة وأهل الجبل ومدينة بنغازي .. فرحبوا بسيادته وتشرفوا بمرافقته وخدمته حتى مدينة بنغازي مروراً بطريق الساحل هذه المرة .. وعند وصوله إلى بنغازي تنازعت في ضيافته البيوت البارزة في ذلك الوقت، ففضل الإمام السنوسي أن ينزل مع إخوانه في محل زاويته الآن ببنغازي وكان السر في ذلك أنه طلب تلك القطعة من الأرض لتكون بها الزاوية فيما بعد .. وفعلاً تم إنشاؤها في نفس المحل، ولم تطل مدة إقامته في بنغازي حيث صام بها شهر رمضان عام 1257 هجري - أكتوبر 1841 ميلادي -. وبعد عيد الفطر صادف أن مرض أثناء تلكم الفترة شيخ قبيلة العواقير (الشيخ أبو شنيِّف الكِزَّة) مرضاً تحققوا منه الموت .. فأرسلوا رجلين إلى مدينة بنغازي ليأتوهم بالكفن ولوازمه ... فمر الرجلان على الشيخ الصالح المشهور (علي خريبيش) وكانت لهم به معرفة .. فأخبروه بمرض الشيخ (أبو شنيِّف الكِزَّة) حيث طلبا منه الدعاء له بالشفاء فقال لهم : لقد حل بنا رجل غريب ظاهره الصلاح نزوره أنا وأنتم لعله يدعو بالشفاء، فلما وصلوا إلى محل إقامة الإمام السنوسي أخبروه بحاجتهم .. فأظهر لهم عدم الإنزعاج وأطال معهم الحديث وهم على عجلة من أمرهم .. فألحوا في طلب الإذن لهم بالإنصراف فقال لهم الإمام السنوسي: رُبّما يحضر هذا المريض دفن بعض الحاضرين منا الآن!! وفعلاً كتب الله الشفاء للشيخ (الكِزَّة) كما سنذكر لاحقاً .. وحضر بنفسه دفن الرسولين.. ثم وافقهم على الذهاب لزيارة الشيخ أبي شنيِّف حيث كان نازلاً بأهله بمكان يبعد عن بنغازي مسافة يوم كامل .. فلما وصلوا طلب الإمام السنوسي أن يبنوا له خيمة خارج المضارب، ثم دخل على الشيخ أبي شنيِّف وكان في حالة غيبوبة تامة وداؤه ببطنه .. فوقف عليه الإمام السنوسي ووضع يده الشريفة على بطنه ودعا الله أن يشفيه .. فأفاق المريض في الحال وتكلم... فعلت أصوات النسوة بالزغاريد وفرحت القبيلة بشفاء عميدها .. وكان هذا الموقف أول فتح لسيادته في برقة و الجبل الأخضر ... فأقام في نجوع قبيلة العواقير قرابة الشهر .. ووفدت عليه جموع الناس من أنحاء برقة لزيارته واكتساب دعواته .. ثم توجه الإمام السنوسي بصحبة جمع غفير من الإخوان وشيوخ مختلف القبائل من الحرابي والعواقير .. وسلك طريق برقة الحمراء ومنها إلى الجبل الأخضر وتوغل في الجبل حتى وصل إلى المكان المُسمى (ماسه) وتقدم من ماسه إلى مكان يُسمى (دنقله) حيث مكان الزاوية البيضاء الموجودة الآن بالقرب من ضريح الصحابي الجليل ( رويفع بن ثابت الأنصاري) رضي الله عنه، ثم خاطب شيوخ القبائل وكان على رأسهم الشيخ (أبوبكر بو حدث) شيخ مشايخ قبيلة البراعصة المشهورة بالشهامة والكرم وشدة البأس ... وابن عمه الشيخ (عمر بو جلفاف) وقال لهم السنوسي: إني أريد بناية مسجد وزاوية هنا تكون أصل زوايانا ببرقة و الجبل الأخضر، و نريد أن يُخصصَ لها محلٌ في هذا المكان بموافقة أهله ورضاهم... وكانت البقعة في حوزة فخذ من قبيلة البراعصة فتشاور الشيخان (أبو بكر وعمر بوجلفاف) مع من رأوا مشاورته ... وقرروا التنازل عن البقعة المطلوبة لصالح المشروع الذي أقترحه الإمام السنوسي الكبير .. ففرح بذلك الإمام ودعا لهم بالخير.

(الزاوية البيضاء في الجبل الأخضر)

خاطب الإمام السنوسي الحاضرين قائلاً لهم: أريد أن أبني لكم مسجداً تجتمعون فيه لصلاتكم وتعقدون فيه مشاوراتكم ومصالحكم .. وفيه يتلقى أبناؤكم العلم الشرعي... وسوف نعين لكم خليفة ينوب عنا يقوم بأمر المسجد وتعليم القرآن وتحفيظه .. ويقوم بدور الإرشاد الديني وكذلك فض النزاعات بينكم... ولقد لمس الجميع فائدة هذا الدور الذي سيضطلع به نائب الإمام السنوسي في المسجد والزاوية .. فبادروا بالتلبية والإجابة .. وعند ذلك أمر الإمام السنوسي إخوانه الذين كانوا معه أن يبادروا بجمع الحجر والبناء في الأماكن التي خطها لهم .. ثم وضع حجر الأساس بيده الكريمة، وهذا الحجر موجود بعينه في جدار المسجد المذكور ثم قال لهم: إبدأوا باسم الله وعلى بركة الله، فجدوا واجتهدوا .. ووقف الشيوخ (أبو بكر بو حدوث) و(مُقَرَّب بو حدوث) و(عمر بو جلفاف) ونظموا القبائل المجاورة حيث قسموا أيام الأسبوع بينها، فكانت كل قبيلة تقوم بعملها في يومها المخصص لها على أكمل وجه .. فتجمع الأحجار وتأتي بالماء والأخشاب والزاد والذبائح حتى تم بناء المسجد والزاوية البيضاء. وفي عام 1258 هجري - 1842 - ميلادي. بدأت طلائع الإخوان تتسابق وتفد إلى الإمام السنوسي في زاويته البيضاء.

(الإخوان السنوسيون)

كان من أبرز الإخوان الذين لحقوا بالإمام السنوسي في الجبل الأخضر خلال عامي 1258/1259 هجري - 1842 / 1843 - ميلادي. السادة:

عمران بن بركة الفيتوري الزليتني الطرابلسي - مصطفى المحجوب - مرتضى فركاش - عمر الأشهب - محمد بن إبراهيم الغماري الكبير وأخوه محمد بن إبراهيم الغماري الصغير- علي أبو عبد المولى والذي كان قد خلفه في مدينة (قابس) بتونس لإنجاز لوازم ضرورية للإخوان الذين توجهوا للجهاد في الجزائر. كما لحق به أيضا كل من السادة (أحمد المقرحي) و(علي القزيري) والذَين قد أخذا عنه العلم في طرابلس بعدما جاءا لمناظرته، ولحق به كذلك السادة: منصور محجوب الزليتني والذي وافاه أجله المحتوم فيما بعد في الطائف بالحجاز - أحمد أبو القاسم العيساوي - الشيخ حسين الغرياني - الشيخ محمد بن أحمد الفيلالي - إبراهيم بن إبراهيم الغماري - وأخوه أحمد بن إبراهيم الغماري - محمد أحمد السكوري - إسماعيل الفزاني - أحمد القسطنطيني الجزائري - حسين الحلافي - محمد الأزهري الزنتاني - كما التحق به صغيراً السيد عبد الرحيم المغبوب والمشهور بالمحبوب - الشيخ أبو سيف مُقَرّب. و بعد إتمام بناء الزاوية البيضاء وقبل زواج الإمام السنوسي الكبير .. أمر خليفته بالحجاز السيد (عبد الله التواتي) بالرجوع إلى عمله بزاوية أبي قبيس بمكة، وذلك بعد أن حصلت على يديه قصة قبيلة البراعصة المشهورة وهي كما يأتي:

(هجرة البراعصة إلى مصر ومحاولة العودة)

قبيلة البراعصة في الجبل الأخضر لها ميزة خاصة دون غيرها من القبائل الحرابي و فيها مشيخة المشايخ. والمشيخة تتناوب بين أبناء (جليد) من زوجتيه (خضراء) و(مغيربية) فوقع بينهما تنافساً على مشيخة القبيلة نشب على إثره نزاعاً أدى إلى إندلاع حرب بين أبناء (خضرة) وأبناء (مغيربية) وانقسمت القبائل التابعة لهما كُلٌ يُناصر حزبه ... وأخيراً تغلب أبناء مغيربية على أبناء خضرة.. و أجلوهم من برقة والجبل الأخضر وبقية القطر الليبي حتى دخلوا الحدود المصرية، وانفرد أبناء مغيربية بالإمارة. وعند قدوم الإمام السنوسي إلى الجبل الأخضر كان شيخ قبيلة البراعصة هو (أبو بكر بو حدوث) فتابع الإمام السنوسي وانخرط في سلكه وسخره الله لمساعدته في كل شيء، وكانت محبته عظيمة ولذا كان يشارك الإخوان في كافة أعمالهم بنفسه فضلاً عن أتباعه. وكان بجلالة قدره ممن يخلط الطين للبنائين أثناء بناء المسجد والزاوية البيضاء رغبة منه فيما عند الله من ثواب.

نعود إلى أبناء (خضرة) فبعد أن قضوا برهة من الزمن في الأراضي المصرية ... أخذوا يفكرون في العودة للوطن .. ووافقهم على ذلك بعض منافسي آل مغيربية، ووعدوهم بنصرتهم إذا عادوا إلى الوطن ... فتهيأ بنو خضرة للرجوع وركبوا البحر في مراكب شراعية يزيد عددها على العشرين مركباً، ونزلوا في بلدة (درنة) على كبيرها في وقته الشيخ (حمد بن سالم بن علي) وجاء نبأ وصولهم ونزولهم بدرنة إلى مسامع الشيخ (أبو بكر بوحدوث) حينما كان وسط عجنة الطين.. فخرج من العجنة وجاء إلى السيد (عبد الله التواتي) وقال له: يا سيدي عبد الله عيلة خضرة جو وما دون الحلق إلا اليد فقال له التواتي: إصبر حتى نخبر السيد السنوسي، فدخل التواتي على الإمام السنوسي وقال له: يا سيدي عيلة خضرة جوْ أي وصلوا فقال له الإمام السنوسي: ويش نعمل؟ فسكت التواتي ووقف لحظات ثم أعاد القول ثانية فرد عليه ابن السنوسي: ويش نعمل يا أخانا عبدا لله ؟ فحار التواتي جواباً ووقف واجماً ثم أعاد سؤاله، فرد عليه الإمام بشدة: ماذا نفعل نعاند أمر الله؟! فعند ذلك قال التواتي: يا سيدي ناخذ بندقيتي ونضرب مع أصحابي فقال له الإمام السنوسي: يهودية يا عبد الله ؟!! فقال: يا سيدي اليهودي الذي يخلي صاحبه أي يتركه ويخذله.. فعند ذلك انفعل السيد السنوسي .. ثم تبسم قائلاً: قل لأبي بكر يرجع في عجنته.. مثل ما جوْ يرجعوا .. فخرج التواتي إلى الشيخ (أبو بكر) وأبلغه بما قال السنوسي .. فرجع إلى العجنة واستأنف عمله ولم يكترث لأمرهم.. فجاءه بنو عمه وقبيلته وقالوا له: عيلة خضرة في درنة وأنت قاعد هنا ؟! فرد عليهم بهدوء وحُسن نية: سيدي قال: مثل ما جوْ يرجعوا. وفعلاً بعد إقامتهم في درنة عشرين يوماً في ضيافة الشيخ (حمد بن علي) رجعوا في سفنهم التي جاءوا بها وأنشدت مغنيتهم في ذلك:

إن طالت لعيت بياض جميل بن علي ما ينتسا.

ومعنى ذلك إن طالت الأيام لآل بياض وهم آل خضراء فلن ينسوا جميل الشيخ حمد بن علي.

هذا وبعد أن استقر الإمام السنوسي بالزاوية البيضاء وبدأ أعماله النافعة فيها من تدريس ووعظ وإرشاد .. بدأت القبائل تتوافد إليه طالبة منه إقامة زوايا لها أُسوة بالزاوية البيضاء .. فكان رضي الله عنه يتوجه بنفسه إلى القبيلة أو المكان المطلوب إقامة الزاوية فيه؛ وأحياناً كان يُرسل بعض الإخوان لينوب عنه .. وبهذه الطريقة تنافست القبائل في نشر الزوايا وعمران المساجد.

(زواج الإمام السنوسي)

وفي آخر عام 1258 هجري - 1842 - ميلادي. حضر السيد أحمد بن فرج الله الفيتوري بأهله من طرابلس إلى بنغازي ومنها إلى الزاوية البيضاء امتثالاً لطلب السيد السنوسي ... وبعد وصوله بأيام قلائل جمع الإمام السنوسي الإخوان وقال لهم: تعلمون إخواني أنني قد تقدمت بي السن - وكان عمره إذ ذاك سبعة وخمسين عاما - ولقد ضعف جسمي وقوتي بعد شربي للسم ولم يبق لي مأرب في النساء .. غير أنني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في منامي وقال لي: تزوج إحدى بنات هذا الرجل أي ( السيد أحمد بن فرج الله الفيتوري) ولسوف يرزقكم الله بولدين يكونان من المهاجرين والأنصار، وإني امتثالاً لأمره صلى الله عليه وسلم أريد أن أخطب إحدى بنات أخينا السيد أحمد .. وكان للسيد أحمد بن فرج ثلاثة بنات إذ ذاك.. ففرح الإخوان وعمهم السرور بهذه البُشرى وقاموا يهنئون السيد أحمد بن فرج الله بهذه المِنة التي ساقها الله إليه .. ثم عقد الأمام السنوسي على السيدة (فاطمة أحمد بن فرج) وهي الوسطى من البنات، وكانت تلك الليلة مُزهرة وجامعة للخير العظيم.




(دور الإمام السنوسي الكبير في الدعوة و الإرشاد و الإصلاح)

ظل الإمام محمد بن علي السنوسي خلال الأعوام الثلاثة - 1258 هجري إلى عام 1261 هجري – في برقة و نواحيها من الجبل الأخضر يزور القبائل ويؤسس الزوايا حتى تم تأسيس ما ينوف عن عشرين زاوية كما كان طيلة هذه الأعوام يصلح ما بين القبائل المتنازعة باذلاً كل جهد لإزالة الأحقاد والضغائن من قلوب الرجال والتي طال أمدها وعمّ ضررها واعظاً ومُذكراً وراشداً إلى مكارم الخلاق، آمراً بترك العقائد الفاسدة والعادات القبيحة مثل تبرج النساء الذي كانوا يتباهون به والإختلاط الذي كانوا لا يعيرونه بالاً، ونهب بعضهم بعضا. و قتل النفس بأتفه الأسباب وضعف الإنقياد لأوامر الدين والدولة، وكان الشيخ السنوسي يأخذ من الرجال العهود والمواثيق على أن تكون الزوايا السنوسية وشيوخها هي مرجعهم في مختلف قضاياهم و مشاكلهم، ويرشدهم إلى توجيه أبنائهم لتلقي علوم القراءة والكتابة وأمور الدين وحفظ القرآن من خلال الزوايا التي تأسست لتوعية الجيل، كما كان يأخذ عليهم العهد باحترام الزوايا وشيوخها الإخوان وأن يبذلوا جهودهم لمساعدة أنشطة الزوايا فيما هو ضروري لبقائها عامرة .. وكانت كل قبيلة تطلب إقامة زاوية لها يشترط عليهم الإمام السنوسي تلكم الشروط والتي كانت سبباً في بعث الروح الإسلامية في النفوس ونشر العلوم بين أبناء البلد.

وهذه هي الزوايا التي تم تأسيسها خلال العوام الأربعة المتقدمة في الجبل الأخضر وبرقة وباقي بقاع القطر الليبي (البيضاء – شحات – بنغازي – مارة – درنة – أم الرزّم – العرقوب – توكرة – طلميثة – الطيلمون – الفايدية – المخيلي – القصور – المرج – أم رُكبة - مزدة – طبقة – الرجبان – تونين – مصراتة – زليتن – زلة - مرزق – واو – زويلة – هون – سوكنة). وفي تونس زوايا منطقة الجريد.

(ولادة السيد محمد المهدي السنوسي)

بعد زواج السيد محمد بن علي السنوسي بالسيدة (فاطمة أحمد بن فرج الله الفيتوري) بعامين رزقه الله تعالى بمولود اختار له اسم (محمد المهدي) فكان لولادته شأن عظيم حيث عمَّ السرور طبقات الإخوان لتحقيق ما كانوا يتمنون من الذرية للإمام السنوسي. ولقد بُشِر به والده قبل ولادته حيث أخبر الإخوان ليلة عقده على والدته إن الله سيرزقه ولدين يكونان من المهاجرين في سبيل الله، ومن الأنصار لدين الله. وحين جاءته البُشرى بولادة ابنه (المهدي) قال: الآن ظهر الصباح، وطُفِيء المصباح .. ويعني بالصباح ابنه وبالمصباح نفسه. وكانت ولادة السيد المهدي أول ليلة من شهر ذي القعدة عام 1260 هجري - ديسمبر 1844 ميلادي. عند طلوع الفجر بالمغارة التي سكنها والده في جبل (ماسّة) بالقرب من ضريح صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم سيدنا (رويفع بن ثابت الأنصاري) بالجبل الأخضر، ولما وُلِد السيد محمد المهدي سماه والده أولاً باسم أستاذه السيد أحمد بن إدريس، وبقي مدة أسبوع بهذا الاسم .. وفي سابع ليلة أبدل اسمه باسم (محمد المهدي) وقال: سميته بهذا الاسم إمتثالاً لأمر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث رأيته في المنام وقال لي: سمِّه (محمد المهدي) هذا ولقد بشره أستاذه السيد أحمد بن إدريس العرائشي بهذا الغلام و سماه بهذا الاسم قبل عشرين عاماً وقال لوالده: هو الخليفة بعدك. وبعد أن أتم المولود السعيد بضعة أسابيع عند والدته سلمه أبوه للشريف (حسين أبو خضراء) أحد تلاميذه لتقوم زوجه بإرضاعه.

( تأسيس زاوية درنة )

في منصف عام 1261 هجري - يوليو 1845 ميلادي. انتقل الإمام محمد بن علي السنوسي من الزاوية البيضاء إلى بلدة (درنة) وهي بلدة لطيفة ذات أنهار وأشجار ومناظر جذابة على شاطئ البحر الأبيض وتبعد عن الزاوية البيضاء بمقدار 150 كيلو متراً شرقاً، وتمتاز هذه المدينة أيضاً بجودة هوائها وعذوبة مائها و كثرة فواكهها ومحبة أهلها عموماً للحضرة السنوسية (الحركة والدعوة السنوسية ورموزها) .. فنزل الإمام السنوسي الكبير بها وأسس زاوية لتصبح مركزاً للدعوة الإسلامية والإرشاد والتوعية لدين الله تعالى.. ولقد ظل الأمام يقوم بواجب العمل الإسلامي في هذه المدينة عماً كاملاً وزيادة.

(ولادة نجله الثاني السيد محمد الشريف السنوسي)

كانت ولادته يوم الجمعة 26 – رمضان عام 1262 هجري - 18 - سبتمبر 1846 ميلادي. وقد سمعت من أستاذي السيد (أحمد الشريف السنوسي) قوله: مكث سيدي ابن السنوسي في درنة زيادة على السنة كان عموم أهل درنة بدون تخصيص قد تعلقوا به وانتفعوا بعلمه ما عدا الشيخ (محمد بللو) فإنه كانت له منزلة بين أهالي درنة قبل وصول السيد ابن السنوسي إليها، وكان قد رأى لنفسه ميزة .. وبقى في درنة سنة كاملة لم يُكتب له زيارة الإمام السنوسي ولا مواصلته .. وبعد تمام السنة خطر للشيخ (محمد بللو) خاطر وقال هذا الرجل الذي عم صيته الوطن ومن أحد إلا ويثني عليه و يصله إلا أنا فهذا حرمان أي؛ ولكن يلزم عليَّ زيارته وأنوي بها وجه الله، فإذا وجدته مثل ما يقولون فيه من العلم والصلاح فسوف أحمد الله، وإذا كان خلاف ذلك فأجري ثابت حسب نيتي .. ثم هيأ نفسه وتوجه إليه، وعندما أُخبر السيد السنوسي بقدومه فرح وقال: ليدخل .. فلمَّا رآه الإمام ابتسم وبعد السلام عليه ومحادثته وجد الشيخ (محمد بللو) أن الإمام السنوسي حاله كما أخبر عنه الناس وأنه كاد أن يُحرم من علمه وفضله ..فتمسك به وانقطع إليه حتى صار من خواص الإخوان إلا أنه يحز في نفسه تلك الحادثة وهي "ضحك الإمام السنوسي حينما رآه أول مرة .. فتجاسر يوماً من الأيام على الإمام قائلاً: يا سيدي في خاطري شيء أريد ن أسألكم عنه فقال له معك الإذن اسأل فقال: يا سيدي حينما دخلت عليكم أول مرة ضحكتم عليَّ ! فما كان سبب ذلك .. لأنني اتهمت نفسي بأني اقترفت ما يوجب ذلك. فرد عليه الإمام السنوسي قائلاً: نعم الذي أضحكني هو وجودي ووجودك في درنة سنة كاملة لم نتقابل فيها .. ولما حان الأوان وأصبحنا على الحالة التي اجتمعت فيها أرواحنا يوم (ألست بربكم)* قدر الله لنا الإجتماع .. فتذكرت ذلك المعنى وضحكت .. فقال الشيخ محمد بللو: الحمد لله الذي جمع أرواحنا يا سيدي قبل خلقِنا .. فقال له الإمام السنوسي: الأرواح جنود مُجندة ما تعارف منها يوم (ألست بربكم) اتلف وما تناكر منها في ذلك اليوم اختلف، ثم تلا قوله تعالى (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم الست بربكم قالوا بلى شهدنا) فهناك تعارف من تعارف وتناكر من تناكر ..

هذا ولمَّا أتم السيد (محمد المهدي) رضاعه، وتمت ولادة السيد (محمد الشريف) جمعهما أبوهما بدرنة أولاً كما جمع الإخوان وقدم عليهم الشيخ (محمد بن حمد الفيلالي) وجعله شيخاً للزاوية البيضاء ومُقدماً على شيوخ زوايا برقة والجبل الأخضر وأمر الشيوخ والإخوان بإطاعته وتنفيذ أوامره وقال لهم: هو خليفتي عليكم. وأبقى زوجته السيدة (فاطمة أحمد بن فرج الله الفيتوري) مع أولادها ما بين الزاوية البيضاء ودرنة.. وترك معهم بعض الإخوان، ووَكَّل على أهله وأولاده السيد (عمران بن بركة) والسيد (محمد بن إبراهيم الغماري الكبير).

(عودة الإمام السنوسي من الجبل الأخضر إلى الحجاز)

تأسيس الزوايا السنوسية في القطر المصري

في منتصف عام 1262هجري – يونيو 1846 ميلادي. توجه الإمام السنوسي الكبير إلى الحجاز عن طريق البر من درنة إلى حدود مصر الغربية ثم واحة سيوة و كلما مر في طريقه على قبيلة من القبائل تعلقوا به وقاموا بخدمته وطلبوا منه إقامة زاوية لهم أُسوة بقبائل برقة والجبل الأخضر، فأسس في طريقه زاوية (أُم الرزّم) وزاوية (دفنة) ونزل ضيفاً على (عبد الله بوسويحل) شيخ مشايخ عائلة بو مريم واستراح في بيته أياماً .. ولمل دخل الصحراء الغربية أسس فيها زاوية (حوش عيسى) و(أُم الرخم) وزاوية (النجيلة) وزاوية (الحقنة) وقد مر في طريقه على عائلة (عميره) فأكرموا نزله و قام بالإصلاح بينهم وبين خصومهم، ثم أسس زاوية (الزيتون) ثم قصد الواحات البحرية ومكث بها أياماً ليؤسس زاوية.. وتعرض لسيادته أعيان من أهل الفيوم وطلبوا عودته إليهم وزيارتهم فاعتذر لهم لضيق الوقت وقُرب موسم الحج وأمر بتأسيس زاوية لهم ثم تابع سفره إلى واحة (الفرافرة) ولم يتسنى له تأسيس زاوية، وقد أسسها بعده أبنه السيد المهدي. ثم توجه من الفرافرة إلى الواحات الداخلة حيث أسس بها زاوية سنوسية لأهل تلك الناحية .. ثم استكمل سيره إلى الواحات الخارجة وأمر بتأسيس زاوية بها ثم والى سفره إلى مديرية (قِنا) ومنها إلى القصير "وهو ميناء على البحر الأحمر" وكان هو الميناء الوحيد الذي يركب منه الحجيج إلى الحجاز سواءً إلى جدة رأساً أو إلى الوجه المقابل ..

(الوصول إلى المدينة المنورة)

وركب الإمام السنوسي من ميناء القصير إلى ميناء الوجه، ففرح به أهل الوجه كثيراً وأقام عندهم أياماً قلائل وأمر بتأسيس زاوية لهم وذلك تلبية لرغبتهم وإلحاحهم .. ثم واصل المسير إلى (ينبع) ومنها عرَّج على المدينة المنورة – على ساكنها أفضل الصلاة والسلام – وكان بها حضرة الخليفة بالحجاز السيد (عبد الله التواتي) ومعه كثير من الإخوان والعرب ينتظرون قدوم الإمام؛ وكانت زاوية المدينة لم تُؤسس بعد فنزل خارج المدينة في خيام ولم يمكث أكثر من ثلاثة أيام .. ثم اتخذ طريق الحجيج المعروفة إلى مكة المكرمة والتي تمر بموقعة بدر.

(وصوله إلى مكة المكرمة)

وصل الإمام محمد بن علي السنوسي مكة آخر شهر ذي القعدة و حضر حج عام 1262 هجري - ديسمبر 1846 ميلادي. وكان أمير مكة وقتها هو الشريف (محمد بن عون العبدلي) وعند نزول الإمام السنوسي بزاويته بجبل أبي قبيس انهالت عليه الوفود من بادية وحاضرة لأنهم كانوا قد عرفوه وعاشوا معه ولمسوا بركته .. ولذلك كانوا متعطشين لرؤيته وزيارته واكتساب دعواته .. هذا وقد ظل شريف مكة يزوره من حين لآخر.

بدأ الشيخ محمد بن علي السنوسي كعادته دروسه المفيدة في زاوية جبل أبي قبيس .. فأصبحت تلكم الزاوية كعبة طلاب العلم ومحبي الخير .. وانتشر صيته بين أهل الحرمين الشريفين وما بينهما من البوادي .. فلقد سخر الله له قلوب المحبين وأنار به بصائر من أراد الله به خيراً. وأخذ الإمام يتردد ما بين الحرمين الشريفين لينشر العلم الشرعي والدعوة والإرشاد من خلال تأسيسه لزوايا : جدة – بدر – المدينة المنورة – الحسنية – ينبع – رابغ – الوجه – أملج – المويلح – ضبا. أمَّا الطائف فقد سيق أن ذكرنا أنه بدأ في تأسيسها قبل سفره الأول إلى المغرب العربي .. وقد شاع ذكر الإمام السنوسي في الحجاز واليمن والهند وجاوه والسودان والشام ومصر .. وانتفع به خلق كثير وهيأه الله لنفع الأمة على اختلاف طبقاتها (وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم).

(الأمير عباس الأول بن طوسون بن محمد علي حاكم مصر)

حينما كان الإمام محمد بن علي السنوسي بمكة عام 1242 هجري – 1826 ميلادي. وصل إليها الأمير عباس الأول بن طوسون مُرسلاً من قِبل جده محمد علي ليكون في مكة بعيداً عن عمه (إبراهيم باشا بن محمد علي) لأنه كان يخشاه عليه، وكانت للقائد إبراهيم سلطة نافذة خاصة بعد أن نجح في محاربة السعوديين ومحاربته للأتراك أيضاً ..و فعلاً مكث الأمير عباس في مكة مدة تزيد على ثلاثة عشر عاماً كان يتردد خلالها على السيد الإمام محمد بن علي السنوسي في زاويته بجبل أبي قبيس و يشرب عنده الشاهي الأخضر الذي كان لا يتوفر إلا في زاويته إذ كان يُجلب إليه من الهند والصين بواسطة تلامي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
مـُخْـتَـصَر (الفَوَائِدُ الجَلِيّةُ في تَاريخ العَائلة السَنُوسِيَّة) الجزء الثاني
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات بدو ليبيا :: ¤°^°¤§©¤ موسوعة القبائل الليبية ¤©§¤°^°¤-
انتقل الى: